ابن قيم الجوزية
82
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
الناس وقضاء حوائجهم ، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل . فتصدوا له وعملوا عليه واحتجوا بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « الخلق كلهم عيال اللّه ، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله » رواه أبو يعلي . واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه وعمل النفاع متعد إلى الغير ، وأين أحدهما من الآخر ؟ . قالوا : ولهذا كان فضل العالم على العابد : كفضل القمر على سائر الكواكب . قالوا : وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه « لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » وهذا التفضيل للنفع المتعدي ، واحتجوا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من أتبعه ، من غير أن ينتقض من أجورهم شيء » « 1 » واحتجوا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير » و بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في البحر والنملة في حجرها » . واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله ، وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذي نسب إليه . واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ، ونفعهم في معاشهم ومعادهم ، لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والترهب ، ولهذا أنكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أولئك النفر الذين هموا بالانقطاع للتعبد ، وترك مخالطة الناس ، ورأي هؤلاء التفرق في أمر اللّه ونفع عباده والإحسان إليهم أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك . الصنف الرابع : قالوا : إن أفضل العبادة : العمل على مرضاة الرب
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة برقم 2674 .